الدوله المدنية خيار عربي مستقبلي / مؤتمر المانيا الدولي 2021

الدولة المدنية كخيار عربي مستقبلي

بقلم: د.خالد شوكات *

إن الدولة المدنية إنّما هي ضرورة مستقبلية وحضارية لا يمكن الاستغناء عنها أو اختيار بديلٍ مقبول لها، فهي من جهة تمثّل التسوية الممكنة الوحيدة لما بدا أنّه صراع محتدم منذ عقود بين التيارين العلماني والإسلامي، والذي طالما ساهم في خلق بؤرٍ للتوتر والنزاع والصراع ذي كلفة عالية على شعوب المنطقة ودولها، وهي من جهة ثانية تحول دون قيام أنظمة استبدادية ذات طبيعة عسكرية وأمنية غالبا، تلك الأنظمة التي عانت منها المنطقة العربية طويلاً، وكانت سبباً في تعطيل قدرتها على النهوض والتقدم وتحقيق طموحات شعوبها والالتحاق بركب الأمم المتحضّرة.

ولقد اتفقت وجهات نظر عديد المفكرين النهضويين على أنّ الدولة المدنية بقدر ما هي ضرورة للمنطقة العربية لرسم خارطة طريق مستقبلية تعيد لها الأمل في الخروج من أزمتها متعددة الأبعاد، فإنها ما تزال تمثل من الناحيتين الفكرية والسياسية إشكالية تحتاج من رجال الفكر والسياسة وقادة الحكم والمجتمع المدني بذل المزيد من الجهود المضنية في سبيل تحديد مفاهيمها ومعالمها ومؤسساتها، بالإضافة إلى بيان مبادئها ومضامينها وحدودها والتزاماتها، فمعركة "تأويل الدولة الدينية" وملامح الالتقاء والاختلاف بينها وبين الأشكال المناقضة لها ك"الدولة الدينية" أو الأشكال القريبة منها أو المشابهة لها ك"الدولة العلمانية" أو "الدولة اللائكية"، تظل ورشة عمل مفتوحة أمام الفكر العربي المعاصر يمكن أن تكون سبباً في إثرائه وتطوّره وحيويته.

إن الدولة المدنية يجب أن تمثّل مشروع حلٍّ حقيقيّ وليس حلًّا تلفيقيًّا لشكل الدولة المطلوب في المجال العربي، وهي حل ذاتي يعكس قدرة العقل السياسي العربي على إبداع حلولٍ ذاتيةٍ ومتميّزة للقضايا الكبرى المطروحة على شعوب المنطقة، كما هي مناط تميز حضاري من وجهة نظر رجال القانون الدستوري، إذ لم تدرج هذه العبارة أو المقاربة في الفكر الغربي بمختلف مدارسه إلاّ في ما ندر ، على الرغم من الالتقاء المضموني والمحتوى النظري مع المبادئ الكبرى التي تقوم عليها الدّول في أوربا وشمال القارة الأمريكية، من قبيل النظام الديمقراطي ومنظومة الحريات وحقوق الإنسان.

ويرى عديد المفكرين والفقهاء الدستوريين أن تنصيص تونس والعراق- ورغم الاختلاف بين السّياقات السّياسيّة في البلدين وربما دول عربية أخرى في المستقبل القريب- في دساتيرها الجديدة على مدنيّة الدولة وربط ذلك بمبادئ المواطنة المكتملة المتساوية والتشاركية في إدارة الحكم والسيادة الشعبية عبر الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة، فضلًا عن نبذ كافة أشكال التمييز بين المواطنين سواء على أساس الطائفة أو الدين أو اللغة أو سواها من المعايير الظالمة، تشكّل خطوات صائبة في الاتجاه الصحيح، لكنها ما تزال غير كافية وتحتاج إلى تعزيزها باتباع الأنظمة القائمة لمزيد من الإجراءات العمليّة التي وحدها يمكن أن تضفي مصداقيّة على هذه التغييرات الإيجابية المطلوبة.

أخيراً، لا مناص من التنويه بأن التمكين للدولة المدنيّة في المجال العربي خلال العقود القادمة، سيشكل افضل السبل لاندماج افضل للعرب في المنظومة الكونية وازالة كثير من العقبات امام الحوار والتعاون الاقليمي والدولي، ذلك ان الدول الدينية والدول القمعية عادة ما تشكّل فضاءات معادية للاخر أو تابعة له.

*كاتب واستاذ جامعي/وزير تونسي سابق


طباعة   البريد الإلكتروني